اخر الأخبار»

تحليل فورى

كتب محرر الموقع
24 أغسطس 2017 1:42 م
-
نكشف الأسرار الكاملة لوقف واقتطاع المعونة الأمريكية عن مصر

نكشف الأسرار الكاملة لوقف واقتطاع المعونة الأمريكية عن مصر

 

تحليل - محمد ممدوح

 

بعثرةٌ مدروسةٌ للأوراق من واشنطن ستُربك مراكز القوى في القاهرة.. قد يكون هذا هو الوصف الأكثر تعبيراً عن الحالة التي أحدثها الخبر المفاجئ الذي نشرته وكالة "رويترز" للأنباء عن قرار أمريكي بحجب 95.7 مليون دولار مساعدات عن مصر، وتأجيل منح 195 مليون دولار أخرى "جراء إخفاقها في تحقيق تقدُّم في حقوق الإنسان وعدم الالتزام بالمعايير الديمقراطية"، كما جاء على لسان "مصدرين مُطّلعين"، بحسب الوكالة البريطانية العريقة.

 

ومن المعروف أن القاهرة تحصل على معونتين من الولايات المتحدة سنوياً، الأولى معونة عسكرية تبلغ قيمتها مليار و300 مليون دولار، وأخرى اقتصادية كانت تبلغ 800 مليون دولار، جرَى تخفيضها في 2010 لتبلغ فقط 250 مليون دولار.

 

بعثرة الأوراق مدروسة؛ لأن واشنطن لم تحجب كافة المساعدات؛ رغبةً منها في عدم قطع الحبال مع المؤسسة العسكرية المصرية، والتي يعتبرها الطرفان حبالاً استراتيجية، وهو ما قالته "رويترز" في تحليلها للأمر.

 

"الكيمياء" تتبخر

 

هكذا يبدو واضحاً للكثيرين أن قوة "الكيمياء"، التي عوَّل عليها الكثيرون، لا سيما في القاهرة، بين الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والسيسي، خفتتْ تفاعلاتها سريعاً؛ بسبب عدم نضوجها جيداً وانسجامها مع المكونات الأخرى للدولة الأمريكية، والتي ظهر أنها ليست على وفاق مع ترامب أو أسلوبه أو حتى ميوله، التي وافقت ميول الرئيس المصري، لا سيما حيال ملفات كحقوق المعارضين واستخدام فزاعة الإرهاب وتعميمها عليهم لإخافتهم، وكذلك الإيمان بالصدمة عقيدةً ومنهاجاً، والكفر بالتدرّج والتنازلات السياسية.

 

البَوْنُ الذي بَاتَ واضحاً بين مؤسسات الدولة الأمريكية وترامب، ظهر جلياً في الأزمة الخليجية القطرية الأخيرة، حيث تشجّعت السعودية والإمارات بوجود ترامب وكرهه الشديد للإسلاميين إلى شنّ حملة شرسة على قطر افتقرت إلى الحرفية والتدرج، فكانت النتيجة هزةً ارتداديةً عنيفةً داخل المؤسسات الأمريكية الكبيرة، كالبنتاجون والمخابرات المركزية ووزارة الخارجية، أدَّتْ إلى إلجام ترامب عن استكمال تشجيع الرياض وأبو ظبي، وأحرجت الأولى كثيراً بين جيرانها في الخليج، وفي المنطقة بالكامل، وجعلت الدوحة متقدمةً دائماً بعدة خطوات عن "الحلف الرباعي" المكون من السعودية والإمارات والبحرين ومصر.

 

هل تسبَّبَ هذا البَوْنُ أيضاً في القرار الأمريكي الأخير بقطع جزء مهم من المعونات الاقتصادية عن مصر؟.

 

غضب المؤسسات 

وفي أواخر أبريل الماضي، انعقدت جلسة استماع للجنة العلاقات الخارجية بالكونجرس الأمريكي، رأسها السيناتور "ليندسي جراهام"، وأعضاء لجنة الاستماع "إليوت أبرامز"، ومديرة برنامج الشرق الأوسط بمعهد "كارنيجي" "ميشيل دان"، ووكيل وزارة الخارجية السابق "توم مالينوسكي"؛ لمناقشة المعونة الأمريكية السنوية لمصر، والنظر في المساعدات المقدمة للقاهرة.

 

وافتتح الجلسة "ليندسي جراهام" - رئيس الجلسة والسيناتور عن ولاية "كارولاينا" الجنوبية – بقوله أن مصر تسير في طريق اللاديمقراطية ، وكذلك الفشل الاقتصادي، بما يُهدد استقرارها ونظامها الحالي".

 

واستطرد "جراهام" قائلاً: "خرج الناس وماتوا من أجل إسقاط نظام مبارك، فيجب أن نُعطيهم حقوقهم في العيش الكريم والحرية، ولا بد أن نعرف لماذا تذهب مساعداتنا لمصر، خاصة إذا كانت الأمور ليست في الاتجاه الصحيح، بل تسير للأسوأ، ولا يستفيد المصريون من مساعدتنا".

 

تسريب "مكملين"

 

وبعد التسريب الشهير الذي بثّته فضائية "مكملين" الإخوانية التى تمولها المخابرات القطرية والتركية إدعوا إنه لجنود مصريين يُنفّذون إعدامات ميدانية بحق أشخاص عزل، منهم صبي صغير في منطقة شمال سيناء، طالبت مديرة برنامج الشرق الأوسط بمعهد "كارنيجي" "ميشيل دان" المعادية لمصر .. الولايات المتحدة بألا تُقدِّم معونةً نقديةً للجيش مطلقاً؛ بدعوى ان "المصريين يعيشون أسوأ عصور القمع"، مضيفةً: "شاهدنا منذ أيام فيديو قتل الجيش المصري لمدنيين عزّل بسيناء، وهذا مؤسف للغاية".

 

من ناحية أخرى، يبدو ترامب نفسه غير متحمس لاستمرار المعونة الاقتصادية لمصر كما هي؛ لأسباب في ظاهرها اقتصادية، وهو ما ظهر في نفس التوقيت (أواخر أبريل 2017) عندما نشرت مجلة "فورين بوليسي" الأمريكية تقريراً عن قرار تم اتخاذه داخل أروقة إدارة ترامب بتقليص المعونة الاقتصادية لمصر بحوالي 47% من 142 مليون دولار، إلى 75 مليون دولار، لكن مراقبين – حينها – قالوا: إن هناك أسباباً أخرى تتعلَّق بانزعاج بعض أركان إدارة ترامب من استمرار الانتهاكات المصرية لملف حقوق الإنسان. ((طالع تحليل سابق للقصة حول هذا الأمر من هنـــــــــــــــــــــــا).

 

مما سبق يُمكن وصف العلاقات بين ترامب والسيسي بالغامضة وغير المفهومة، بعد أن كان يحكمها كيمياء مزجت بين الرجلين، وأشعرت مؤيدي السيسي في القاهرة بأن الأمور ابتسمت لهم، ولعقودٍ.

 

لكن وبعيداً عن الكيمياء وتفاعلاتها فإن ثمَّة نقاطاً سريعة يجب سردها، في معرض التعليق على القرار الأمريكي الأخير.

 

نظرة على المبالغ المحجوبة

 

- المبلغ المحجوب بشكلٍ صريحٍ لا يتجاوز 96 مليون دولار، لكن هناك تأجيل لمبلغ آخر يبلغ 195 مليون دولار، بما يعني أن الحصيلة النهائية هي 290 مليون دولار، وفي حالة اتخاذ واشنطن قراراً جديداً بحجب المبلغ المؤجل أيضاً، فإن ذلك يعني أن المعونة الاقتصادية الأمريكية – البالغة 250 مليون دولار - قد تم حجبها بالكامل عن مصر، بل سيتبقّى مبلغ 40 مليون دولار، من المتوقع أن يتم استقطاعها من المساعدات العسكرية المقدمة للجيش، والتي تبلغ مليار و300 مليون دولار.

 

"أحمد شفيق" يستعد

 

- التصرف الأمريكي يُنظَر إليه على أنه إحدى تجلّيات غضب واشنطن "الحقيقي" من إقرار القاهرة قانون الجمعيات الأهلية المثير للجدل، علاوة على الأحاديث المتواترة عن قرار يجري مناقشته داخل أوساط أجهزة سيادية يقضي بدفع مجلس النواب لإقرار تعديلات دستورية تُتيح للسيسي البقاء في الحكم لمدة أو مدد إضافية، وهو ما قد يكون متعارضاً مع مساعٍ أمريكية لا تزال على استحياء لتصدير "أحمد شفيق"، بديلاً للسيسي، خلال الفترة المقبلة.

 

- ما يدعم التوقع السابق هو مبادرة "شفيق" بكتابة تغريدة عبر حسابه بـ "تويتر"، عقب القرار الأمريكي بدقائق، حذَّر فيها بشدّة من مغبَّة إقرار تعديلات دستورية تُتيح للسيسي الاستمرار في مدة أو مدد جديدة، معتبراً أن ذلك يُعدُّ "تصرفات صبيانية غير مسؤولة".

 

روسيا لم تعد بديلاً

 

- قرار واشنطن تم اتخاذه بعد إنهاء الترتيبات الأمريكية الروسية في منطقة الشرق الأوسط، بعد الاجتماع المُطوَّل الأخير الذي جمع "ترامب" بنظيره الروسي "بوتين"، وهو ما يُشير إلى تقليل فرص القاهرة في اللجوء إلى البديل الروسي، في خطوة للرد على الولايات المتحدة.

 

تهدئة حقوقية

 

- يُتوقَّع أن تلجأ القاهرة للتهدئة نسبياً في الملف الحقوقي، والانحناء أمام الإجراء الأمريكي، لا سيما مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقبلة في 2018، ويُمكن ترجمة الأمر في سلسلة إفراجات "مدروسة" عن سجناء سياسيين، معظمهم لن يكون من جماعة "الإخوان"، فإدارة ترامب لا تزال غير مطمئنة للجماعة.


اصدقاؤك يفضلون