اخر الأخبار»

اخبار مصر

كتب محرر الموقع
5 يونيو 2018 5:53 م
-
يوم غسلنا الهزيمة بيوم العزيمة .. إعادة فتح قناة السويس في 5 يوينو

يوم غسلنا الهزيمة بيوم العزيمة .. إعادة فتح قناة السويس في 5 يوينو

 

 ييستعيد  ملايين المصريين في مثل هذا اليوم من كل عام (5 يونيو) ذكرى إعادة افتتاح قناة السويس أمام الملاحة الدولية عام 1975، وهو اليوم الذي اختاره الرئيس الراحل محمد أنور السادات ليمحو ذكرى نكسة 1967، وإغلاق القناة لمدة 8 سنوات كاملة، كما أنه اليوم الذي انتظره العالم طويلا، وجاء الاحتفال به عالميا.

لقد خسر العالم خلال سنوات الإغلاق نحو 6.13 مليار دولار، كما خسر ما كان يحقّقه من وفر في المسافة بين الشرق والغرب؛ بسبب اتجاه السفن للمرور عبر طريق رأس الرجاء الصالح، وبالتالي تأثّرت أسعار النقل البحري العالمي.

لقد استردت الإرادة المصرية قناة السويس مرتين الأولى عام 1956، عندما أعلن الزعيم الراحل جمال عبد الناصر عن تأميم قناة السويس لتصبح شركة مساهمة مصرية، والمرة الثانية في 6 أكتوبر 1973 بسواعد الشرفاء وأرواح الشهداء.

ولم تكن قناة السويس شاهد عيان على الصراع العربي-الإسرائيلي فقط على مدى أكثر من خمسين عاما، بل كانت سببا في حرب السويس في 29 أكتوبر 1956، وكانت القناة شاهدا أيضا على العمليات البطولية في أثناء حرب الاستنزاف ضد القوات الإسرائيلية المحتلة حتى نصر أكتوبر 1973، وفي مرحلة السلام والتنمية أصبحت القناة أحد المصادر المهمة للدخل القومي المصري، كما أنها المعبر الاستراتيجي للوصول إلى سيناء عبر نفق الشهيد أحمد حمدي الذي يمرّ أسفل القناة، وجسر السلام في القنطرة وجسر السكة الحديد في الدفرسوار.

تعدّ قناة السويس جزءا من تاريخ مصر، وقد تأثّرت بالتقلّبات السياسية والحروب على مر العصور، وتعرّضت للإغلاق 8 مرات، ليس بالضرورة بسبب الحروب أو الأزمات السياسية فقط؛ بل بسبب جنوح سفينة أو ناقلة أو بسبب العوامل الجوية، ولكن بعد مشروعات التطوير ازدادت السيطرة على القناة وأصبح المرور أكثر أمانا، وكانت المرة الأولى التي تعطّلت فيها الملاحة عام 1882 لمدة يومين؛ بسبب الاحتلال البريطاني، والمرة الثانية في 10 يونيو 1885 عندما اصطدمت كراكة مع سفينة، وأدّى ذلك إلى غرق الكراكة وتعطّلت الملاحة 11 يوما.

أمّا المرة الثالثة، فكانت في 2 سبتمبر 1905 عند الكيلو 18، عندما اصطدمت سفينتان، وهو ما أدّى إلى اشتعال النار في إحداها، وتسبّبت هذه الحادثة في تعطيل الملاحة لمدة 10 أيام، والمرة الرابعة في فبراير 1915؛ حيث توقّفت الملاحة في القناة بسبب الحرب العالمية الأولى وغرق عدد من السفن في بوغاز بورسعيد، والمرة الخامسة في أثناء الحرب العالمية الثانية في الفترة من 28 أغسطس 1940 إلى 27 يوليو 1942.

كانت المرة السادسة بسبب غرق إحدى السفن عند الكيلو 85 في القطاع الشمالي بالقرب من مدينة بورسعيد في سبتمبر 1952، والمرة السابعة بسبب العدوان الثلاثي على مصر عام 1956 حين أغرق داخلها 48 سفينة وقاطرة وقطعة بحرية، أما المرة الثامنة والأخيرة فكانت بسبب حرب يونيو 1967.

فقناة السويس ملحمة المصريين في العصر الحديث حفروها بأظافرهم ودمائهم؛ فغيّروا العالم وبدلّوا موازين القوى فيه مرات حتى قال عنها الدكتور جمال حمدان: "هي بالدرجة الأولى سلاح سياسي واستراتيجية حرب تصل انعكاساتها وإشعاعاتها إلى كل المحيطات والبحار السبعة، وتمثّل موقعا حاكما في استراتيجية الصراع البحري العالمي، مثلما تشكّل عقدة نووية في الملاحة والتجارة الدولية".

بالتالي تعدّ قناة السويس أحد أهم الممرات الملاحية؛ حيث تتحكّم في 40% من حركة السفن والحاويات في العالم، كما أن موقعها الاستراتيجي -كرابط بين دول جنوب شرق آسيا وأوروبا والأمريكتين- يضيف إلى ثقلها الاقتصادي ثقلا آخر استراتيجيا يجعل المساس بها بمثابة قضية أمن قومي للعديد من الدول، كما تنقل 14% من حجم التجارة العالمية وتوفّر 66% من المسافة بين الشرق والغرب.

ولقناة السويس أهمية اقتصادية كبيرة ترجع إلى أن طريقها بعيد عن أخطار العواصف والأنواء البحرية والتيارات، بعكس طريق رأس الرجاء الصالح الذي تشتدّ فيه العواصف في معظم فصول السنة، كما يتوفّر في طريق قناة السويس الخدمات البحرية مثل التزوّد بالوقود والتموين وخدمات الصيانة، إلى جانب أن طريق قناة السويس به عدة مناطق ذات نشاط تجاري وإنتاجي، وخلقت قناة السويس مجتمعات عمرانية على ضفافها.

لقد تحوّلت قناة السويس من شريان مائي إلى شريان حياة للاقتصاد المصري لكونها تدرّ حوالي 6 مليارات دولار سنويا (أي ما يعادل 42 مليار جنيه)، ونواة جيدة لجذب الاستثمارات الخارجية؛ خصوصا بعد مشروعات التطوير المستمرّة التي شهدتها القناة طوال 38 عاما، ونجحت في استيعاب معظم سفن العالم من نوعيات مختلفة من ناقلات البترول العالمي إلى ناقلات بضائع الصب وناقلات الغاز الطبيعي المسال، إلى باقي نوعيات البضائع مهما بلغت أعماق غواطسها.

ولتكامل منظومة التطوير التي تحقق أمان وسلامة الملاحة بقناة السويس؛ فقد حدثت طفرة كبيرة في تدريب المرشدين البحريين، وربابنة القاطرات التي تتعامل مع السفن العابرة؛ وذلك بإنشاء مركز التدريب البحري بهدف زيادة عوامل السلامة والأمان بالقناة، والتدريب على التصرّف في حالة الظروف غير العادية، كما قامت بتنفيذ متابعة إلكترونية للملاحة يواكب أحدث تطوّر تقني بتعليمات المنظمة البحرية الدولية.

كما ساهمت مشروعات التطوير في مواجهة قناة السويس لأمواج الأزمة المالية العالمية، واحتواء مخاطر القرصنة البحرية؛ فقدرة قناة السويس على المنافسة لا حدود لها للربط بين أطراف العالم؛ حيث ترتبط كشريان ملاحي بحوالي 50 ميناء بحريا تطلّ على شواطئ البحرين المتوسط والأحمر؛ باعتبارها الطريق الأسرع والأقصر مسافة والأقل تكلفة والطريق الأكثر ملائمة.

وتواصل قناة السويس منظومة التطوير لمواجهة التحديات المستقبلية لقناة السويس؛ منها: التغيّرات المتوقّعة في حركة التجارة العالمية، ووجود مراكز التجارة الحرة وما يتبعها من وجود موانئ محورية تستخدم في التوزيع بما يؤثّر على استخدامات القناة.

وفي هذا الإطار؛ فقد طرحت الحكومة مؤخرا مشروع تنمية محور قناة السويس؛ حيث أكّد الدكتور هشام قنديل -رئيس مجلس الوزراء- أن المشروع أخذ في الاعتبار جميع معايير الأمن القومي والقوات المسلحة، وهذا المشروع يشمل 3 محاور هي مناطق شرق التفريعة ببورسعيد، ووادي التكنولوجيا بالإسماعيلية، ومنطقة شمال غرب خليج السويس.

ولا يزال الجدل دائرا حول هذا المشروع؛ بالرغم من أن هناك نقطة التقاء بين الحكومة والمعارضة على أهمية تطوير منطقة القناة؛ خصوصا أن التطوير من المتوقّع أن يجلب لمصر إيرادات تصل إلى 100 مليار دولار سنويا، ويوفّر الوظائف ل40 ألف عامل في غضون 3 سنوات، ويشمل هذا التطوير استصلاح 77 ألف فدان شرق القناة وواديا للتكنولوجيا على مساحة 3500 فدان، ومشاريع لتصنيع وتعبئة الأسماك في القنطرة ومنطقة صناعية كبرى شرق التفريعة.

وينطلق الرافضون للمشروع من قاعدة أن القانون المنظّم للمشروع يحتوي على مواد يرفضونها، على الرغم من تأكيدات المسئولين على أن الهيئة المسئولة عن المشروع ستقدّم تقريرها لمجلس الشعب وستخضع لمراقبة الجهاز المركزي، إلى جانب تطمينات الحكومة أن القانون المثير للجدل مجرّد مسوّدة غير نهائية ستخضع للمناقشة للوصول إلى رؤية صحيحة، إلا أن الموضوع تحوّل من مشروع تنموي اقتصادي يلتفّ حوله الجميع إلى قضية جدل سياسي.

ويرى المراقبون أن هناك عدة حقائق لا يختلف عليها أحد، وهي ضرورة الاستفادة من موارد مصر المختلفة، وأن الشعب هو الذي سيحقّق حلم التنمية في محور قناة السويس؛ فهو الذي سيقوم بالبناء ويتحمّل التضحيات كما تحمّل الكثير من المعاناة والتضحيات في حفر قناة السويس الذي كان مشروعا عملاقا وعبقريا، كما أن الشعب أيضا هو الذي سوف يجني ثمار مشروع محور تنمية قناة السويس.

ومما يذكر، فقد شهدت قناة السويس عبر تاريخها قصص وصفحات مضيئة قصة الحفر والتأميم كالعدوان الثلاثي، وانسحاب المرشدين الأجانب، وعودة الملاحة... إنها قصص من العرق والدم والكفاح، وكلها تثبت صمود الإنسان المصري الذي حفرها وعبرها واستشهد على ضفافها.

وترجع فكرة حفر قناة السويس إلى عام 1800؛ حيث كلّف نابليون بونابرت مجموعة من الخبراء بدراسة فكرة المشروع، ولكن حساباتهم الخاطئة توصّلت إلى أن أحد المجريين المائيين وهو البحر الأحمر أكثر ارتفاعا من البحر المتوسط بنحو 30 مترا، وفي حالة حفر القناة ستغرق المنطقة.

وفي عام 1854؛ استطاع المهندس الفرنسي فرديناند دي لسبس أن يثبت خطأ حسابات نابليون، وبالفعل بدأ الحفر في القناة في إبريل 1859، وانتهى العمل فيها عام 1869؛ حيث عمل أكثر من مليون عامل مصري في القناة ومات حوالي 430 ألف مواطن جوعا وعطشا ومرضا تحت الشمس الحارقة في أثناء الحفر لعدم توافر الظروف الصحية والاجتماعية اللازمة، وافتتحت رسميا في عهد الخديوي إسماعيل في 17 نوفمبر 1869، وكانت مدة الامتياز 99 عاما من تاريخ افتتاح القناة تعود بعدها ملكيتها للحكومة المصرية.

وقد ظلّت قناة السويس على مدى تاريخها مطمعا للمستعمرين وسببا للكثير من الصراعات؛ فالقناة بحكم وزنها الجغرافي وتأثيرها الاستراتيجي هي القلب الذي تنطلق منه الشرايين والأوردة؛ فقد أكّد المؤرخ البريطاني هالفورد هوسكنز أنه لم يؤثّر عمل إنساني على علاقات الأمم بصورة أكثر عمقا مثل شقّ قناة السويس؛ فمن الصعوبة بمكان أن نتصوّر إنجازا بشريا آخر استطاع أن يغيّر الطبيعة أكثر مما فعلت هذه القناة؛ حيث استطاعت العملية الجغرافية البسيطة التي ولدت بها القناة أن تختزل قارة بأكملها هي القارة الإفريقية، وأن تُعيد وضع مصر والشرق العربي في قلب الدنيا وبؤرة خريطة العالم.

 


اصدقاؤك يفضلون